القاضي عبد الجبار الهمذاني

107

المغني في أبواب التوحيد والعدل

كما إذا كان معلقا بأن يقول تعالى : افعلوه ما دام صلاحا ، وافعلوه أبدا ما دام صلاحا ، كما يصح ذلك في اشتراط القدرة والسلامة ولا يتناقض ذلك ، وليس كذلك الحال فيما قلنا إنه يدل عليه ، لأنه لو قال تعالى : لا يكون هذا الفعل منكم إلا صلاحا ثم قال افعلوه ما دام صلاحا لتناقض ، ولم يكن للشرط فائدة ، وهذا يبين صحة ما ذكرناه ، وقوله تعالى : لا أنسخ هذه الشريعة يجرى مجرى الخبر الّذي ذكرناه ، لأنه إخبار عن أن ذلك الأمر لا يزول ما دام التكليف قائما ، وذلك يوجب أن الفعل لا تتغير حاله ، فكذلك إذا قال الرسول ، إن شريعتي لازمة أبدا ، ولا يخرج عن أن يكون صلاحا ، وأن النبوّة ختمت بي ، وقد بعثت إلى المكلفين أجمعين ، إلى ما يجرى هذا المجرى ، لأن جميع ذلك يجرى مجرى الخبر الّذي ذكرناه ، ويخالف لفظة التأبيد ، وصار قوله تعالى : ان هذا الفعل لا يكون إلا مصلحة ، في أن الخطاب يجب أن يرتب عليه ، حتى لا يجوز النسخ فيه ، بمنزلة قوله : إن هذا المكلف لا يخرج مدة من الزمان ، من أن يكون بصفة المكلف ، في أن الخطاب يجب أن يترتب عليه ؛ فلو قال تعالى ذلك لعلمنا أن الخطاب خطاب له ، على هذه المدة ، فإن خبر بأحد هذين الأمرين ، دون الآخر لم نعلم ذلك لأنه بأن يكون الفعل صلاحا منه ، لا يجب أن يكون مكلفا ، وكذلك فبأن يكون متمكنا قادرا لا يجب أن يكون مكلفا ، فإذا اجتمعا وجب ذلك ، وإنما كان يكون كذلك لأن الفعل في كونه صلاحا لا بدّ من أن يتعلق بأن يكون مكلفا ، لما هذا الفعل صلاح فيه ، فإذا لم يكن التكليف صلاحا لم يصح ذلك ، وبأن يكون متمكنا لا يجب أيضا أن يكون مكلفا لذلك ؛ فلهذه الجملة لم يجب إذا قال تعالى : إن الشريعة لا تنسخ ، أو : إن هذا الفعل صلاح ، إلى غير ذلك أن يمنع من ورود العجز والمرض ، ولا وجب أن يكون السامع للخطاب قاطعا على أنه سيبقى لا محالة ،